أبي حيان الأندلسي
671
البحر المحيط في التفسير
في المثل : إن ذهب عير فعير في الرباط . وقدره غير المبرد : خبر مبتدأ محذوف . أي : فالذي يصيبها ، أو : فمصيبها طل ، وقدره بعضهم فاعلا ، أي فيصيبها طل ، وكل هذه التقادير سائغة . والآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جوابا ، وإبقاء معمول لبعضها ، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ ، كقوله تعالى وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ « 1 » أي فهو ينتقم ، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا أي : فهي ، أي : الجنة يصيبها طل ، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلّا إلى حذف أحد جزئي الجملة ، ونظير ما في الآية قوله : ألا إن لا تكن إبل فمعزى * كأن قرون جلتها العصيّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ الزهري ، بالياء ، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين ، ويحتمل أن يكون عاما فلا يختص بالمنافقين ، بل يعود على الناس أجمعين . وقرأ الجمهور بالتاء ، على الخطاب ، وفيه التفات . والمعنى : أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من الأعمال والمقاصد من رياء وإخلاص ، وفيه وعد ووعيد . أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ لما تقدّم النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى ، وشبه فاعل ذلك بالمنفق رئاء ، ومثل حاله بالصفوان المذكور ، ثم مثل حال من أنفق ابتغاء وجه اللّه ، أعقب ذلك كله بهذه الآية ، فقال السدّي : هذا مثل آخر للمرائي . وقال ابن زيد : هو مثل للمان في الصدقة ، وقال مجاهد ، وقتادة ، والربيع ، وغيرهم : للمفرط في الطاعة . وقال ابن جريج : لمن أعطي الشباب والمال ، فلم يعمل حتى سلبا . وقال ابن عباس : لمن عمل أنواع الطاعات كجنة فيها من كل الثمرات ، فختمها بإساءة كإعصار ، فشبه تحسره حين لا عود ، بتحسر كبير هلكت جنته أحوج ما كان إليها ، وأعجز عن عمارتها ، وروي نحو من هذا عن عمر . وقال الحسن : هذا مثل قل واللّه من يعقله : شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه ، أفقر ما كان إلى جنته ، وأن أحدكم واللّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا . والهمزة للاستفهام ، والمعنى على التبعيد والنفي ، أي : ما يود أحد ذلك ؟ و : أحد ، هنا ليس المختص بالنفي وشهبه ، وإنما المعنى : أيود واحد منكم ؟ على طريق البدلية .
--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 95 .